البداية التي تصنع الفرق

١٤ ديسمبر ٢٠٢٥

دور التطوع في إدارة الأزمات المجتمعية

يستعرض المقال كيف يسهم العمل التطوعي في تعزيز جاهزية المجتمعات خلال الأزمات الصحية والبيئية والإنسانية، مستعرضًا تجارب عالمية ونموذج السعودية في تحويل التطوع إلى منظومة فاعلة لإدارة الأزمات وبناء الثقة المجتمعية.


في كل أزمة تُختبر جاهزية المجتمع. وفي لحظة الارتباك الأولى، لا تسبق المؤسسات إلى الميدان بقدر ما يسبقها الناس؛ أولئك الذين يدركون أن العمل التطوعي ليس ردّ فعل طيب النية، وإنما مسؤولية جماعية تُبنى قبل الأزمات بسنوات. عند هذه النقطة يتحوّل الوعي إلى فعل، ويتحوّل الفعل إلى قدرة حقيقية على حماية الناس واستعادة التوازن.


في الكوارث الصحية والبيئية والاقتصادية، يثبت المتطوعون أنهم خط الدفاع الأول. وجود شبكة منظّمة ومدرّبة من المتطوعين يعني استجابة أسرع وأكثر فاعلية. التطوع هنا لا يُمارس بوصفه جهدًا عشوائيًا، وإنما جزء من منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تشمل الرصد، والتنسيق، والدعم الميداني، والتوعية. كلما كان هذا الدور مُعدًّا مسبقًا، كان أثره أعمق وأكثر استدامة.


بعد جائحة كورونا، تغيّر مفهوم التطوع عالميًا. لم يعد مرتبطًا بلحظة الأزمة، وأصبح جزءًا من مرحلة الاستعداد لها. أُدرج التطوع ضمن عناصر الجاهزية الوطنية، وبُنيت له الخطط، وخُصصت له برامج تدريبية، وربطت جهوده ببيانات دقيقة. التحوّل الجوهري حدث عندما أدركت الدول أن التطوع لا يعمل بدلًا عن المؤسسات، وإنما يكمّلها ويشكّل ذراعها المجتمعي الأقرب إلى الميدان.


تجارب دولية متعددة أكدت هذا الفهم. في اليابان، يتدرّب المواطنون منذ مراحل مبكرة على أدوارهم أثناء الزلازل ضمن برامج تطوعية مدرسية ومجتمعية. وفي النرويج، تعمل فرق متطوعين محترفين جنبًا إلى جنب مع الدفاع المدني في الإنقاذ والتوعية. النتيجة في الحالتين واحدة: سرعة استجابة أعلى، وثقة متبادلة أعمق بين المواطن ومؤسساته، والثقة في الأزمات تنقذ الأرواح بقدر ما تفعل المعدات.


في السعودية، أعادت رؤية 2030 بناء مفهوم التطوع ضمن منظومة وطنية متكاملة. المنصة الوطنية للتطوع أصبحت أداة مركزية للتنسيق والتأهيل والرصد، ونقلت التطوع من المبادرات الفردية إلى البرامج الاحترافية داخل المملكة وخارجها. خلال أزمة كوفيد-19، شارك آلاف المتطوعين في التوعية والدعم الميداني، واستمرت هذه الجهود بعد الأزمة لتتحول إلى سياسة دائمة للجاهزية المجتمعية، لا استجابة مؤقتة.


وفي كل أزمة، لا يُقاس أثر المتطوع بما يقدّمه فقط، وإنما بما يتركه خلفه. يبني الثقة، ويعيد روح التعاون، ويحوّل الخوف إلى حركة منظمة. الأزمات تكشف الهشاشة، لكن التطوع يعيد اللحمة. إنه العامل الخفي للتماسك الاجتماعي، المورد الذي لا يظهر في الميزانيات، لكنه يُقاس في استقرار الناس وطمأنينتهم.


عندما يتحول التطوع من ممارسة موسمية إلى سلوك دائم، نكون قد انتقلنا من الوعي إلى بناء الثقافة. ثقافة ترى في الأزمات فرصة للتعلّم، وفي العمل الجماعي وسيلة للحماية، وفي التنظيم أداة للتمكين. بهذه الثقافة تنهض المجتمعات القادرة على مواجهة الأزمات؛ مجتمعات لا تنتظر أن تُنقذ، وإنما تعرف كيف تُنقذ نفسها.

أروقة البداية والنهاية

نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!

تواصل معنا الآن
Logo